شنبه، 2 شهریور 1398 / 2019 August 24
اسم
البريد الإلكتروني
رسالة إلى المستلم
مهامّ مجلس خبراء القيادة

 إنّ مجلس الخبراء هو مركزٌ يتولّى ثلاث مهامٍّ حدّدها الدستور حول قيادة النظام، وهي تعيين القائد وعزله والإشراف على أعماله. وفيما يلي تفصيل هذه المهامّ:

أوّلاً: انتخاب القائد

يتمّ تعيين القائد في عهد حضور الإمام المعصوم على أساس نصٍّ دينيٍّ، حيث يعيّن هذا النصّ الشخص الحائز لشروط الولاية وبالتالي يجب على الشعب مبايعته وتمهيد الأرضية المناسبة لسيادته، ولكن في عصر الغيبة الذي لا يوجد فيه نصٌّ لتعيين القائد فإنّه يُنصّب عن طريق انتخاب الشعب.

وقد قال العلامة الطباطبائي حول هذا الموضوع: بعد رسول الله رأى جمهور المسلمين أنّ تعيين الخليفة يتمّ بواسطة انتخاب المسلمين، إلا أنّ الشيعة كانوا يعتقدون أنّ الخليفة منصوصٌ عليه من قبل الله تعالى ونبيّه الكريم حيث تمّ تعيين اثني عشر إماماً. أمّا في عصر غيبة الإمام وفي زماننا الحاضر فلا شكّ في أنّ الحكومة الإسلامية تقع على عاتق المسلمين، لذا ينبغي لهم - بناءً على كتاب الله - تعيين قائدٍ للمجتمع على أساس سيرة النبي الأكرم.[1]

وعلى أساس نظرية ولاية الفقيه فإنّه يجب الاعتماد على منهج انتخاب الشعب لتعيين شخصٍ يتمتّع بصفات القيادة، لأنّ تنصيب الفقهاء وفق هذه النظرية إنّما يكون للولاية العامّة ولا يختصّ بشخصٍ بالتحديد.[2]

بعد هذا الانتخاب وتعيين الولي المنتخب، فإنّ سائر الفقهاء ليست لديهم أيّة مسؤوليةٍ في إدارة الحكومة فيسقط عنهم هذا التكليف،[3] وبما أنّ تدخّلهم في نطاق قيادة النظام يوجد تزاحماً مع مهامّ ولي الأمر، فإنّ هذا التدخّل غير مشروعٍ.[4]

إنّ انتخاب القائد في إيران يتمّ خلال مرحلتين كما هو الحال في الكثير من البلدان، فالشعب في المرحلة الأولى ينتخب الخبراء الذين يثق بهم، وفي المرحلة الثانية فإنّ ممثّلي الشعب الذين هم من الفقهاء الحائزين على الشروط اللازمة ينتخبون الأفضل من بينهم للقيادة. فالكثير من المفكّرين يعتقدون أنّ الانتخابات التي تتمّ في مرحلتين لتعيين القائد تعتبر أنسب، حيث أثبتت التجربة أنّه عندما يُنتخب شخصٌ لرئاسة الجمهورية برأي الأكثرية مباشرةً فهو غالباً ما يكون عُرضةً لاستغلال السلطة ويقود البلاد نحو الدكتاتورية، فضلاً عن أنّ ممثّلي الشعب يقومون بتحليل الأمور واتّخاذ القرارات بعيداً عن الضوضاء والصخب الإعلامي.[5]

هذه الطريقة هي أكثر الطرق منطقيةً لتعيين القائد، فلو أنّ الراغبين في التصدّي لمهامّ أعلا مقامٍ تنفيذيٍّ في البلد في الكثير من الأنظمة المستندة إلى الانتخابات قد توفّرت فيهم الشروط اللازمة من حيث السنّ والتبعية لبلدانهم والإقامة فيها، سيكون لهم الحقّ في الترشيح للرئاسة. وهذه الشروط يمكن تشخيصها من قبل المشرفين على الانتخابات بسهولةٍ، ولكن في النظام الإسلامي يجب أن يتحلّى القائد بصلاحيةٍ علميةٍ واسعةٍ وبميزاتٍ أخلاقيةٍ حميدةٍ وبقدرةٍ على الإدارة؛ فكما أنّ رأي عامّة الناس لا يكفي لانتخاب مهندسٍ خبيرٍ أو طبيبٍ حاذقٍ ويجب الرجوع في ذلك إلى المتخصّصين، ففي انتخاب الفقيه (العادل، المتّقي، العارف بظروف الزمان، الشجاع، حسن الإدارة، حسن التدبير) يجب الرجوع إلى الخبراء لتشخيص أفضل شخصٍ من بين الذين تتوفّر فيهم الشروط اللازمة.

وحتّى الموارد التي يمكن فيها تحقيق هذا الانتخاب اعتماداً على رأي الشعب مباشرةً، فإنّه عند اتّخاذ قرارٍ حول عزل القائد أو الإشراف على أعماله، لا بدّ من الرجوع إلى جماعةٍ بالتحديد.

نظراً لكون الخبراء ممثّلين منتخبين من قبل الشعب، لذا فإنّ راي الشعب يضاهي البيعة الشعبية؛ وعلى مبنى أنّ الولاية مجعولةٌ من قبل الله تعالى فإنّه بالرغم من كون بيعة الشعب لا تعدّ مبدأ للولاية، لكنّ تولّى أمور المسلمين يرتبط بها وليس من الممكن السيطرة على السلطة دون آراء الأكثرية.

الفقيه الجامع للشرائط يحظى بالولاية في جميع الحالات، لكن مسألة تولّي أمور المسلمين وتشكيل الحكومة ترتبط بآراء أكثرية المسلمين التي تمّ التطرّق إليها أيضاً في الدستور وتمّ التعبير عنها في عصر صدر الإسلام بـ (البيعة) لوليّ المسلمين.[6]

وحسب هذا التحليل فإنّ انتخاب خبراء الأمّة له دورٌ أساسيٌّ من حيث (انتخاب القائد) و(قبول القائد)، فهو من ناحيةٍ عبارةٌ عن (بيان رأي) مجموعةٍ من خبراء الأّمة وله طبيعةٌ (إخبارية) لتشخيص فردٍ تتوفّر فيه الصلاحية للقيادة، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّه يعدّ (تعهداً وميثاقاً) من قبل ممثّلي الأمّة مع القائد، فيكون بمنزلة البيعة وله على هذا الأساس طبيعةٌ (إنشائيةٌ).

حسب المادّة 107 من الدستور فإنّ تعيين القائد يعتبر من مهامّ مجلس الخبراء. تقول هذه المادّة: (مهمّة تعيين القائد تقع على كاهل خبراء الشعب المنتخبين بعد مرجع التقليد الأعلا وقائد الثورة العالمية الإسلامية ومؤسّس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني (رحمه الله) الذي عُرف وقُبل كمرجعٍ وقائدٍ من قبل الأكثرية الساحقة للشعب).

كما ذُكرت معايير انتخاب القائد بواسطة مجلس الخبراء في هذه المادّة أيضاً، أي المادّة 107 من الدستور، وهي: (يقوم خبراء القيادة بنقاشاتٍ واستشاراتٍ حول جميع الفقهاء الذين تتوفّر فيهم الشروط المذكورة في المادّتين 5 و 109 وعندما يشخّصون من هو أعلم بالأحكام والمواضيع الفقهية أو المسائل السياسية والاجتماعية أو يحظى بتأييدٍ عامٍّ أو يتمتّع بميزةٍ خاصّةٍ في إحدى الصفات المذكورة في المادّة 109، فإنّهم ينتخبونه لمنصب القيادة؛ وإلا ينتخبون واحداً منهم لهذا المنصب).

ولأجل تطبيق هذه المادّة ومعرفة الشروط المذكورة في المادّتين 5 و 109 من الدستور، يتمّ تأسيس لجنةٍ في مجلس الخبراء مؤلّفةٍ من أحد عشر عضواً أساسياً وأربعة أعضاءٍ احتياطيين، ومهمّه هذه اللجنة هي التحرّي حول جميع المسائل المتعلّقة بشروط القائد ومواضيع الموادّ المذكورة من الدستور والأشخاص الذين لهم الكفاءة في تولّي مهمّة القيادة، وبعد ذلك تقدّم هذه اللجنة النتائج التي توصّلت إليها للهيئة الرئاسية بغية دراستها في مجلس الخبراء.

ثانياً: عزل القائد

إنّ استمرار قيادة وليّ الأمر مرهونةٌ باستمرار صلاحيته ولياقته، وعند فقدانه أيّ شرطٍ من شروط القيادة فإنّه سيفقد مشروعيته. طبعاً بعض الفرق الإسلامية ترى أنّ شروط القيادة يجب أن تتوفّر في القائد حين تصدّيه لمنصب القيادة فقط وبعد تحقّق الولاية فإنّ أيّ أمرٍ يتنافى مع هذه الشروط كالفسق والظلم، لا يقدح في مشروعيته وبالتالي فإنّ هذه الخصال الرذيلة لا تؤثّر على عقد الخلافة والإمامة ولا تتسبّب في عزله.[7]

إذن، يُعزل القائد ضرورةً إثر أيّ انحرافٍ فكريٍّ أو عمليٍّ وقبل أن يُدلي أبناء الشعب بأصواتهم حول عدم صلاحيته فإنّه يفقد منصبه تلقائياً، وبالطبع فإنّ الشعب مكلّفٌ بتجريده عن سلطته.[8]

وقد ذكر الدستور ثلاثة موارد لعزل القائد، وهي:

1- عجزه عن أداء مهامّه.

2- فقدانه لشرطٍ من شروط القيادة.

3- اكتشاف أنّه كان فاقداً لأحد شروط القيادة قبل تعيينه.

فقد أوكل الدستور اتّخاذ القرار حول كلّ واحدٍ من هذه الموارد إلى مجلس الخبراء، حيث جاء في المادّة 111 من الدستور: (عندما يعجز القائد عن أداء مهامّه القانونية أو عندما يفقد أحد الشروط المذكورة في المادّتين 5 و 109 أو عندما يُعلم أنّه كان فاقداً لبعض الشروط منذ تولّيه منصب القيادة، فإنّه يُعزل. وتشخيص هذا الأمر يقع على عاتق مجلس الخبراء المذكور في المادّة 108).

هناك لجنةٌ تابعةٌ لمجلس الخبراء مؤلّفةٌ من أحد عشر عضواً أساسياً وأربعة أعضاء احتياطيين لتنفيذ مضمون هذه المادّة، ولا يمكن لأقارب القائد من حيث النسب أو المصاهرة أن يكونوا أعضاءً في هذه اللجنة، وهي مكلّفةٌ بتحصيل المعلومات اللازمة حول هذه المادّة ودراسة صحّة وسقم التقارير المقدّمة إليها. يُذكر أنّه لو صوّت ثلثا اللجنة والهيئة الرئاسية لصالح إقامة اجتماعٍ للخبراء بهدف التحرّي والعمل بالمادّة 111 من الدستور، يعقد مجلس الخبراء اجتماعاً له في أسرع وقتٍ ويتمّ التصويت حول الموضوع بعد القيام بالمناقشات اللازمة.

ثالثاً: الإشراف على القائد

هناك نوعان من الإشراف على القائد في المجتمع الإسلامي، أحدهما الإشراف الشعبي العام على أساس مبدأي (النصيحة لأئمّة المسلمين) و(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). والنوع الآخر هو الإشراف المبرمج الذي يتمّ تطبيقه من قبل مركزٍ معيّنٍ يحظى بخلفيةٍ قانونيةٍ، ولا يكتفى فيه بتقييم الأحداث الظاهرة والمواقف الواضحة، بل له الحقّ في التحرّي والاستفسار من صاحب المسؤولية.

للقيادة في النظام الإسلامي مسؤوليتان، إحداهما جزائية والأخرى سياسية، أمّا من الناحية الجزائية فليست هناك إجراءاتٌ قضائيةٌ خاصّةٌ لمناقشة التهم الموجّهة للقائد والمادّة 107 من الدستور قد صرّحت بأنّ (القائد خاضعٌ للقانون كسائر أبناء الشعب)، لذا تتمّ متابعة مخالفاته القانونية كسائر المواطنين؛ في حين أنّ بعض البلدان – كالولايات المتحدة الأمريكية – قد جعلت حصانةً قانونيةً لرئيس الجمهورية، لذا فإنّ المحاكم العادية لا تمتلك صلاحية محاكمته على بعض الجرائم مثل الارتشاء، بل يجب أوّلاً طرح الموضوع في الكونغرس ثم يُناقش في مجلس الأعيان، ويجب أن يصوّت ثلثا الأعضاء لإصدار قرارٍ بإدانته.

فضلاً عن ذلك فإنّ مجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية مكلّفٌ بالإشراف على القيادة حسب مضمون المادّة 111 من الدستور التي تقول: (يتولّى مجلس الخبراء مسؤولية تشخيص عجز القائد عن أداء مهامّه القانونية أو فقدانه لأحد الشروط، لأنّ الخبراء مسؤولون عن عزل القائد). إذن، يلزم من ذلك الإشراف على قدرات القائد واستمرار الشروط اللازمة فيه.[9] وهذا الإشراف بالتأكيد لا يتعارض مع الولاية المطلقة.[10] هناك لجنةٌ للتحرّي في مجلس الخبراء لأداء هذه المهمّة حيث تشرف على الهيكل الإداري للقيادة إضافةً إلى مناقشة التقارير المقدّمة إليها، كما تعمل على القيام بما هو مطلوبٌ للحيلولة دون نفوذ وتدخّل الأشخاص غير المرغوب فيهم في الهيكل القيادي للبلاد.[11]

إنّ كلّ عملٍ له تأثيرٌ مباشرٌ في تحقيق أهداف مجلس الخبراء يعدّ من المهامّ الأساسية لهذا المجلس، وأداء أيّ عملٍ ليس له تأثيرٌ مباشرٌ على تحقيق أهداف المجلس فهو يعتبر من المهامّ الثانوية للمجلس. ومن البديهي أنّ النتيجة النهائية للمهامّ الثانوية تعني حُسن أداء المهامّ الأساسية. يُذكر أنّ سنّ القوانين المتعلّقة بمجلس الخبراء ومناقشة الميزانية السنوية له هي من المهامّ الثانوية لهذا المجلس.

رابعاً: سنّ قوانين مجلس الخبراء وتفسيرها

تنصّ المادّة 108 من الدستور على ما يلي: (القانون المتعلق بعدد أعضاء مجلس الخبراء والشروط اللازم توفّرها فيهم وكيفية انتخابهم والمقرّرات الداخلية لإقامة اجتماعاتهم، يتمّ إعداده والمصادقة عليه في أوّل دورةٍ بواسطة فقهاء أوّل مجلسٍ يتمّ تشكيله، ثمّ تتمّ المصادقة النهائية عليه من قبل القائد. وبعد ذلك فإنّ الخبراء يمتلكون صلاحية أيّ تغييرٍ أو إعادة نظرٍ في هذا القانون والمصادقة على سائر المقرّرات المتعلّقة بمهامّهم).

إنّ تفسير أيّ قانونٍ يكون منوطاً بالمرجع الذي يضعه، لأنّ واضع القانون أعرف بمراده؛ وعلى هذا الأساس فإنّ المادّة 45 من القانون الداخلي لمجلس الخبراء قد نصّت على ما يلي: (الخبراء أنفسهم بتولّون مسؤولية تفسير قانون الانتخابات والمقرّرات الداخلية لمجلس الخبراء في الموارد التي فيها إبهام). والإطلاق الموجود في هذ المادّة يشمل أيضاً المقرّرات القانونية المتعلّقة بالخبراء التي تمّ إعدادها والمصادقة عليها من قبل فقهاء أوّل مجلسٍ للخبراء، وبالتالي فإنّ الخبراء هم المرجع الوحيد لتفسير القوانين المتعلّقة بهم.

خامساً: متابعة الميزانية السنوية لمجلس الخبراء

تنصّ المادّة 47 من القانون الداخلي لمجلس الخبراء على ما يلي: (يتمّ تأسيس لجنةٍ قوامها تسعة أعضاء أساسيين وثلاثة احتياطيين يُطلق عليها اسم لجنة الشؤون المالية والإدارية، والهدف منها القيام بما يلي:

1- دراسة نفقات مجلس الخبراء وتخمينها وتقديم ما تمّ اقتراحه إلى الهيئة الرئاسية للمصادقة عليه، وتقديمه للحكومة لكي يُدرج ضمن الميزانية السنوية للحكومة.

2- تنظيم مخطّطٍ بيانيٍّ للمناصب الإدارية والضوابط الخاصّة بتعيين المنتسبين يتناسب مع مركز الإدارة والتخطيط والإشراف على حسن أداء الأمور الإدارية، وتقديمه إلى الهيئة الرئاسية.

3- دراسة وتخمين النفقات الخاصّة بشؤون النيابة - التمثيل - وتقديم ذلك إلى الهيئة الرئاسية.

4- المتابعة والتفتيش حول جميع الأموال والعقارات التابعة لمجلس الخبراء والتحقيق حول جميع الحسابات المالية وتصفيتها، ومتابعة النفقات السنوية لميزانية المجلس وتقديم تقريرٍ بذلك إلى هذا المجلس).

 

[1] - العلامة الطباطبائي، تفسير الميزان، ج4، ص125.

[2] - الإمام الخميني، صحيفة الإمام، ج10، ص308 و 526.

[3] - الإمام الخميني، كتاب البيع، ج3، ص624.

[4] - المصدر السابق، ص692.

[5] - الدكتور أبو الفضل قاضي، الحقوق الأساسية (حقوق أساسي)، ص568.

[6] - المصدر السابق، ج20، ص459.

[7] - راجع: الإمام الخميني، صحيفة الإمام، ج11، ص306.

[8] - المصدر السابق، ج4، ص39.

[9] - راجع: شرح مذكّرات مجلس تعديل الدستور، ص1264 و 1259.

[10] - راجع: آية الله الجوادي الآملي، ولاية الفقيه، ص455 و 496 و 481؛ آية الله مصباح اليزدي، أسئلة وأجوبة (پرسش­ها و پاسخ­ها)، ج2، ص55؛ آية الله مؤمن القمّي، شرح مذكّرات مجلس تعديل الدستور، ص1259.

[11] - المادّة 41 من القانون الداخلي لمجلس الخبراء.